الشيخ محمد الصادقي
59
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
ذلك ! وأصل الرجوع هو الإنعطاف والإنقلاب بشىءٍ ، لا أنه كان عندك ففارقك تماماً أو بعضاً ، وإنما الإنعطاف بعد الانحراف ، والإنقلاب بعد الانغلاب ، فالسابقون هم راجعون بأمورهم إلى اللَّه إذا ما يشاءون إلا أن يشاء اللَّه وكما يروى عن علي عليه السلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً . « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ » « 1 » أترى مَن هم المعنيون هنا ب « كُنْتُمْ » ؟ أهم أمة الاسلام كلهم ومنهم - وهم أكثرهم - فسقة يُدعَون إلى الخير ويُؤمَرون ويُنهَون وقد لا يأتمرون أو ينتهون ! ثم ولا تختص الفريضتان بهذه الأمة ، بل تحلِّفان على كل الأمم الرسالية حفاظاً عليها : « وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » أم هم الأمة الآمرة الناهية ، وهم عدول الأمة الإسلامية وربانيُّوها ، المتوفرة فيهم شروطات الأمر والنهي ، حيث الخطاب يخص السابق ذكرهم في « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ » ؟ فكذلك الأمر في الأمرين وهو أممية ذلك الفرض الرسالي دون اختصاص بالدعاة المسلمين ! . فهم الأمة الوسط بين الرسول والأمة ، التي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السلام « 2 » : « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ » « 3 » ذلك ! مهما شملت هذه الأمة في ذيلها ربَّانيَّ الأمة الاسلامية ، فهما - بين كل الأمم الداعية في التاريخ الرسالي - خير أمة أخرجت للناس ، وهم كل المرسل إليهم ، أم هم المسلمون الأوّلون إذا كانوا خير أمة آمرة ناهية مؤمنة ؟ ومتى كانوا هم كلهم كذلك ثم تحوَّلوا عن ذلك ! أفي العهد المكي ؟ ولم يكن هناك أي مجال لأمر أو نهي أللّهم إلّا أمر
--> ( 1 ) . سورة آل عمران 3 : 110 ( 2 ) ) . نور الثقلين 1 : 382 في تفسير العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في قولاللَّه : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ » قال : يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السلام فهم الأمة التي بعث اللَّه فيها ومنها واليها وهم الأمة الوسطى ، وفي تفسير البرهان ( 1 : 207 ) القمي ( 3 ) . سورة البقرة 2 : 128